إرادة الماء
من أكثر ما يرهق الكائن، أن يكون واعيًا، لا على فترات، بل باستمرار، حاضرًا أمام تناقضاته دون مهرب، كأن الوعي نفسه تحوّل إلى ساحة صراع مفتوحة بين ما يظنه حقيقة، وما يطفو من أعماقه دون استئذان. أن تعي صراع الوعي واللاوعي في كل لحظة، ليس امتيازًا، بل عبء ثقيل، يجعل أبسط التفاصيل مشحونة بتوتر غير مرئي، ويحوّل الصمت إلى ضجيج داخلي لا ينقطع . أشعر أحيانًا أنني شريد، لا في مدينة أو مكان، بل في حالة وجودية عالقة، شريد بين سحب مثقلة ببخار الماء، سحب خُلقت في الأصل لتمنح الحياة، لتروي الأرض وتوقظ البذور النائمة، لكنها تظل معلّقة، مترددة، لا تمطر ولا تنقشع. أنا تلك السحب، أو ربما ذلك الشريد الذي يسكنها، أحمل في داخلي طاقة الخير وإرادة العطاء، لكنني عاجز عن تحديد اللحظة التي أتحوّل فيها إلى مطر، أو الاتجاه الذي ينبغي أن أسقط فيه دون أن أدمّر ما أحاول إنعاشه . لا أدري إلى أي حد أكتب بحدّة، ولا إن كانت هذه الكتابة، بعد سنوات من التجربة والمكابدة، قد نجحت فعلًا في تحرير شيء من هذه المعاناة السوداء المتراكمة. أحيانًا أشعر أن الكلمات لا تُخفّف الألم، بل تكشف وزنه الحقيقي، تجعله أكثر حضورًا، أكثر ا...